شمس الدين السخاوي

177

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع

على ما هو بصدده ورسم له بفرس من إسطبل السلطان وألح عليه فركبها لحظة وعجز فنزل عنها وأرسلها لموضعها فرجعوا بها إليه وقالوا له إن لم تركبها فانتفع بثمنها ولم ينفك الفضلاء عن ملازمته والأكابر عن التبرك به وزيارته وأشار عليه بعض الجماعة بعد موت واقفها بالعود إلى الجمالية ويأتيها يوما بعد يوم ليزيد الانتفاع به فما وفق واستمر مقيما بالقانبهية لكنه مكث مدة يجيء إلى الجمالية أياما معينة ولم ينقطع عنها إلا لعذر وناب عن العضدي شيخ البرقوقية في مشيختها حين مجاورته بمكة وكذا في سفره لبيت المقدس ولم أسمع أنه كتب على فتيا مع سؤالهم له في ذلك ولا كان له رغبة في حضور عقود المجالس ونحوها بحيث لم يتفق له ذلك فيما أعلمه سوى مرة واحدة بعد جهد كبير في مجلس لم يكن فيه غيره والأمين الأقصرائي والسيفي فمن دونهم وتكلم بكلمات يسيرة وكذا ألح عليه حفيد العيني أيام ضخامته في الحضور عنده وكان قرره متصدرا فيما جدده بمدرسة جده بطل أمره بعد يسير فلم يجد بدا من ذلك وجاء العبادي ليجلس فوقه بينه وبين الحنفي فأشير بخلاف هذا وجعل السراج من جهة أخرى بل كان خطب للقضاء فأبى بعد مجيء كاتب السر إليه وأخبره أنه لم يجب نزل إليه السلطان فصمم وقال : الاختفاء ممكن فقال له فيماذا تجيب إذا سألك الله عن امتناعك مع تعيينه عليك ، فقال يفتح الله حينئذ بالجواب ولم يكن يحابي في الدين أحدا ، التمس منه بعض الشبان من ذوي البيوت إذنه له بالتدريس بعد أن أهدى إليه شيئا فبادر لرد الهدية وامتنع من الإذن وربما كتب فيما لا يرتضيه لقصد جميل ككتابته على كراس من تفسير البقاعي الذي سماه المناسبات فإنه قال لي حين عتبته على ذلك : إنما كتبت لصونه عما رام تمربغا أن يوقعه به والله ما طالعته وليس هو عندي في زمرة العلماء ، ولم وسع الله عليه بسبب ما تقدم صار يواسي الطلبة وغيرهم من قدماء أصحابه ومن يعلم احتياجه ويصرح لبعض خواصه أنه لو تحقق إبقاء الوظائف باسم أولاده لآثر بجميع ما يفضل عنه وقد عم النفع به حتى بقي جل الفضلاء من سائر المذاهب من أهل مصر بل وغيرها من تلامذته واشتدت الرغبة في الأخذ عنه وتزاحموا عليه وهرعوا صباحا ومساء إليه وامتدحه من الشعراء الشهاب المنصوري وغيره وبالجملة فهو كلمة إجماع لم يتدنس بما حيط مقداره بل راعى لمنصب العلم حقه منحه الله تعالى كثرة الأسقام من قبل الثلاثين في الأعضاء الباطنة وكذا بحبس البول بالحصاة وكثرة الرعاف وغير ذلك فكان قل أن يصح لكنه لا ينقطع إلا عن أمر كبير ويتحرى ما يلائمه من أكل ونحوه إلى قبيل موته وعرض له حينئذ استسقاء ورمد